الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
مواطن الضعف ومهاوي الردى
١٦، مايو ، ٢٠٠٧
صناعـة الحيـاة

 

لقد أبتلي عالمنا العربي والإسلامي بمفاهيم سياسية فرضت نتيجة إحلال منظومة حكم ذات طبيعة دخيلة تلت فترة الإستغلال والإنتهاك الأجنبي البشع والذي يروق للبعض نعتها بفترة (الإستعمار).  وليست المفاهيم هاهنا صنواً لأشكال الحكم بل هي مفاهيم تأصلت في المنظومة الحاكمة مهما كانت مفرداتها وأشكالها.  فلا فرق في المفاهيم في عالمنا العربي بين المسميات المستوردة مثل  الثوري التقدمي أو الملكي الرجعي وغيرها من الكلمات المفرغة من مضمونها لغة ومصطلحاً.  وليست النتيجة بمعزل عن الأسباب وليست الأسباب كلها أسباباً خارجية وإن كانت الأسباب الخارجية الدخيلة تتحمل الوزر الأكبر في ما نحن فيه اليوم.

لقد ضعفت الخلافة وتآكلت أطراف الدوله لأول مرة منذ أن قرر بنو العباس التفرغ للملاهي والقيان وترك أسباب الحكم لوزرائهم الفرس.  وبمرور الزمن تحولت الخلافة إلى منصب شرفي، وحل محلها حكام أقوياء في إطار ممالكهم يدور الحكم في فلكهم الشخصي، فظهرت الممالك والأمارات الإسلامية التي أسهم بعضها في الدفاع عن الأمة وأسهم الغالب منها في تقويض الآخر بالتحالفات غير الشرعية مع أعداء الأمة والدين من أمثال الدولة الصفوية والبويهية و من خلف الملك العظيم يوسف بن يعقوب (صلاح الدين) من إخوته الذين أقتسموا البلاد بينهم .  وكانت المحصلة النهائية أن أصبح الخليفة رمزا دينيا ليس له من التأثير السياسي ما يؤهله للخروج في موكب بدون إذن مضيفه من ملوك بنو أيوب أو المماليك من بعدهم.  وأستمر الحال حتى السيطرة الشاملة لبني عثمان على العالم الإسلامي في مجمله بإستثناء الهند التي أحكم أحفاد المغول الذين أسلموا قبضتهم عليها  والأندلس التي ضيعتها حظوظ النفس والمصالح الشخصية وإتباع الهوى وتردي الأخلاق والقيم.  وبالرغم من إعادة الإعتبار للمسلمين في أنحاء المعمورة على يد الدولة العثمانية، فإن الخرق الذي أحدثته سنوات التيه العباسية والضعف الذي أغرى بنا الصليبيين، كان خرقا خطيرا أظهر لأعداء الامة مواطن الخلل في منظومات الحكم المتبعة منذ إنهيار الخلافة الراشدة حتى يومنا هذا.

والخرق أو الثغرة التي خلفتها حالة الإنفلات السياسي في حقبة الدولة العباسية، هي عدم قدرة الدولة على التطوير الذاتي لمواكبة مقتضيات العصر وحاجيات المجتمع، بالإضافة إلى الشخصانية التي عززها الحاكم وحاشيته وعلمائه بقدسية زائفة ما أنزل الله بها من سلطان.  وأنبرى أعداء الأمة لإعادة الحالة السياسية والإجتماعية التي سادت عشية الغزو الصليبي للمنطقة، وكان لها ما أرادت حيث ولجت بعد تنقيب من أضعف مناطق الحصن المنيع وكانت هذه المنطقة للأسف هي مؤسسة الحكم الفردي الذي سادت بعد سقوط الخلافة الراشدة ولا تزال حتى يومنا هذا.  أنغمس الخليفة العثماني في ذاتيته و بدأ يتطلع إلى المحاكاة للغرب بدلا من الريادة، وطمع حكام الأطراف والأمصار بالإستقلال حيث لم يعد للقوة العثمانية الإقتصادية والعسكرية والسياسية وجود يبرر التبعية التي لا فائدة ترجى من ورائها.  وزاد الأمر حرجا عندما بدأ العنصر التركي يسخر مرافق الدولة وأمصارها لصالحه ولصالح منطقة أسيا الوسطى دون غيرها.  لقد تفككت أوصال الدولة بغعل دسائس الغرب ولكنها تفككت أيضا لأنها كانت قابلة للتفكك.

ثم جاء الغزو الصليبي المعاصر والذي سمي مفارقة بالإستعمار.  وعندما حل ضيفا على ديار الإسلام لم يشأ أن يعيد صياغة المنظومة السياسية والمفاهيم التي أستعملها لمصلحته، فما كان منه إلا أن أهمل المجتمع إهمالا مقصودا و جعل جل إهتمامه السيطرة السياسية التي لم تكن لتنجح في حال الإحتلال دون جيش قوي منظم.  ولأن وجود جيش قوي منظم يقتضي الإستفادة من أفراد المجتمع المحكوم، أضطرت الدول المحتلة من إنشاء جيوش نظامية وأضطرت إلى التركيز على تعليم وتطوير القدرات العسكرية للأفراد والذين كان معظمهم من المجتمع المحكوم.  ومع إنحسارالقابلية الدولية لقبول منهجية الإحتلال بهذا الشكل الفج، أضطرت الدول الكبرى إلى التخلي عن وجودها المادي في المنطقة مع الإحتفاظ بسيطرتها بأشكال السيطرة المختلفة.  وفجأة وجد المجتمع نفسه يعاني من فراغ حقيقي، حيث لم يعتد النهج الغربي في الحكم وإن كان يقبله فكرا.  وزاد الأمر تعقيدا عندما كان الحاكم لا يملك مقومات تنظيم دولة حديثة لغياب الكفاءات والمهارات الحكمية.  وهنا أطلق العنان لزمن الإنقلابات البغيضة التي جاءت بالعسكر،  العسكر الذين كانوا الأقدر على الحكم لما لديهم من كفاءات وتنظيم وإنضباط وإدارة قابلة للطبقية والتسلسلية، فساد نظام عسكري قمعي لا يعترف بمفهوم المجتمع المدني بل يؤمن بأفضلية وعلو مكانة العسكر على سائر طبقات البشر عملا بالروح الطبقية الإحتلالية التي غرسها فيهم الإجليز والفرنسيس.  وفي غياب العسكر بقى الأمر يحكم بأسلوب الحكم القبلي الذي توسعت سيطرته ليملأ أي فراغ سياسي حادث وطارئ، وظل هذا النمط يعاني من الفردية والهمجية والرفض لكل تحديث أو تأصيل لمفهوم الدولة الحديثة والمجتمع المدني المعاصر.

وأنتهى الحال بالأمة إلى الولوج في نفق مظلم دخلته ولمّا تخرج منه حتى يومنا هذا.  أما ما عرف عن المجتمعات الإسلامية من مؤسات مدنية مستقلة كالأوقاف والمدارس والمساجد والعلماء ورؤساء المهن وغيرها من المؤسسات المدنية فقد تم تدميرها تدميرا منظما تحت غطاء التحديث حيث بدأ ذلك منذ بدايات القرن المنصرم وأنتهى بالتأميم الشامل الذي نزع السيطرة المدنية وكرّس مفهوم الدولة المركزية التي تسيطر على الإنسان منذ نشأته وحتى موته وعبر جميع مراحل حياته.  وهذه المركزية كرّست نفيها من خلال حلقة شرسة، فأحتاج الحاكم أن  يوسع دائرة أعوانه ومستخدميه  بالوظائف الحكومية، وكلما توسع في التوظيف زاد الإعتماد على الدولة وهكذا حتى أصبحت الدولة وموظفيها مجتمعا حاكما قائما بذاته ينظر إلى غيره وكأنه عالة أو دخيل عليه.  وبزيادة سيطرة الدولة وضعف أو إضمحلال ما كان من مؤسسات مدنية مستقلة، أصبح الحاكم هو السلطة المطلقة الذي لا يري الناس إلا ما يرى عائدا بنا إلى مفاهيم حكم سادت وبليت منذ قرون.  وإن كانت المفاهيم السلطوية قد نجحت في عصر من العصور (بحسب المشاهدة السطحية) فإن هذا النجاح المزعوم (أي إحكام القبضة السيطرة) نجح في ظل إستغناء شعبي عن الحاكم ومؤسسة الحكم حيث كانت تسود المؤسسات المدنية المستقلة كما أسلفنا، أما اليوم فالحال غير الحال وأصبح كل فعل أو قرار من الحاكم يمس أدق تفاصيل الحياة الإنسانية اليومية من صحة وأقوات ومصادر رزق وعلوم،،،،،،،، إلخ.   وتحتم السيطرة المطلقة على الحاكم أن يكون الملام الأول عن كل نقيصة أو معناة مقابل ما يدعيه من إلهام وعبقية وراء كل قرار يتخذه.

والله ومن وراء القصد....،

نشرت بالعدد ( 16095) من جريدة المدينة، يوم الجمعة،01 جمادي الأولى 1428ﻫ  الموافق  18 مايو 2007م، بصفحة الرأي.

 

views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.