الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
التأهيل الرباني والإستقلال الحقيقي للأمة
٢، مايو ، ٢٠٠٧
صناعـة الحيـاة

تأملت ذات يوم عبارة (القفزة الضفضعية) والتي أطلقها رئيس الوزراء الماليزي الأسبق السيد محاضر محمد في مستهل تدشينه لمدينة بوترا جايا العلمية المتاخمة للعاصمة كوالا لمبور.  ولست من المندفعين السائرين في ركاب السيد محاضر محمد لإختلافي الجذري معه حول أسلوب حكمه المتسلط ومحاولاته اللاأخلاقية لتصفيته منافسيه السياسين.  ولكن السيد محاضر محمد كان ولا يزال (بالرغم من كل ذلك) مخلصا لوطنه ورجل فكر وصاحب رؤية لا يجوز تجاوزها في خضم بغضنا لأساليبه السياسية.  لقد أطلق السيد محاضر محمد عبارته الشهيرة معبرا بها عن سياسة علمية وإقتصادية جديدة حاول من خلالها تجاوز الحتميات التاريخية والولوج إلى القرن الواحد والعشرين من بوابة التقنية الحديثة.  وإذا كان الغرب قد تحول من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي صاحبه توسع إحتلالي إستغلالي للشعوب، ومن ثم تحول إلى مجتمع تقني وخدماتي تاركا الصناعات التقليدية لدول العالم الثاني والثالث، فإن رؤية السيد محاضر محمد حاولت تجاوز ذلك بالقفز على حتمية المرحلة الصناعية والهبوط مباشرة على أرضية العصر التقني الخدماتي الذي تحتكره الدول الكبرى، وهذا باختصار مفهوم عبارة " القفزة الضفضعية" التي أطلقها السيد محاضر محمد.

 وما تأملي لهذه العبارة إلا لأنها أيقظت الفكر على حقائق لا بد منها للتمكين لمثل هذا الطموح وهذه الخطط التنموية الكبرى.  وكانت الحالة العامة في مستهل الثمانينيان من القرن المنصرم تؤكد حاجة الكون كله بما في ذلك دول أوروبا للإشعاع العلمي الصادر من الولايات المحدة الأمريكية.  ويدل ذلك على قدرة الولايات المتحدة لتوزيع المعلومة والتقنية بين الناس بحسب ما تقتضيه مصلحتها ومن ثم كان العالم الإسلامي على وجه العموم والعربي على وجه الخصوص، آخر من سيستطيع أن يحصل على مباركة الولايات المتحدة لنقل التقنية إليه.  وأنطلق المسلمون يحاولون الحصول على المعلومة والتقنية من خلال الإبتعاث ولكن دون جدوى.  وقدرت حينها أن النقلة النوعية التي عناها السيد محاضر محمد إنما هي طموح كبير ليس إلا، حيث بأن الوضع القائم والسيطرة المعلوماتية يحتمان على الأمم النامية أن تتجه تحو المجتمع الصناعي لتحصل على القاعدة التقنية اللازمة للتأهيل والإنطلاق والصيررورة إلى مجتمع علمي تقني.  ومنذ ذلك التاريخ وأنا أتأمل متغيرات وقواعد اللعبة الأممية التي حكمت مسيرة التقدم الأممي في ذلك الحين.   وقد أدركت وقتها أن الإمساك بخيوط المعلومة التقنية هي المفتاح لإنتقال المجتمع من مستوى إلى آخر.  وقادني التأمل إلى محاولة تحديد منطلقات التغيير الأخرى والتي تشمل الإقتصاد والسياسة والمجتمع وغيرها من عناصر النهوض الحضاري.  وهذه المنطلقات وإن كانت متعددة من حيث التفصيل فإنه يمكن إيجازها في مفهوم رئيس يوضح ماهيتها، والكلمة الشاملة العامة لها هي كلمة "الإستقلال"  ولا نعني بالإستقلال الإنغلاق والإنكفاء ولكن القدرة على تحويل المسارات السياسية قربا أو بعدا عن من نتعامل معهم دون أن نشعر بحاجتنا إلى الإحجام نتيجة العوز التقني أو الأمني أو الإقتصادي.  وهذا الأمر مفاده عدم الإعتماد أو الإرتهان أو الإرتباط بغير مصالح الأمة ومبادئها التي فرضها الله عليها وعلى حكامها.  الإستقلال العلمي والإستقلال الإقتصادي والإستقلال العسكري والإستقلال الطبي وغير ذلك من مرافق الحياة المتعددة أمر لا يمكن تجاوزه إن جاز لنا أن نخطت لأنفسنا مسارا نحو الحضارة والريادة المرجوة ولكن حقبة الثمانينيات من القرن المنصرم كانت تصور لنا الولايات المتحدة كالطود العظيم الذي لا يمكن تجاوزها والمحتوم علينا إتباعها أو على الأقل مداهنتها للحصول على فتات مائدتها وإلا مات المتأبي عن ذلك جوعا وعطشا.

والقفزة الضفضعية المراد لها تجاوز حتمية المجتمع الصناعي كانت توازيها الحاجة الماسة إلى قفزة ضفضعية أخري لتتجاوز بالأمة ذلك الطود بل قل العائق المسمى "الولايات المتحدة الأمريكية".  ويشاء الله سبحانه وتعالى أن يعيد هيكلة النظام العالمي والتركيبة الفكرية العالمية إستعدادا لتحول نوعي أجراه الله في الكون في سابق علمه سبحانه وتعالى.  وتمر السنون ويشهد الكون متغيرات عجيبة ما كانت في الحسبان ولا من طبيعة التحول التدريجي، وكـأنها من مكر الله بأعدائئه أن يجعل الاتحول واقعا قبل أن يدركه الأعداء فيتعاملون مع معطياته في إطار ردود الأفعال وليس مع إرهاصاته في إطار المقاومة والوقاية الإستباقية.  أولها إبتلاء الله للمارد الأمريكي في صورة مغريات مستعملا سوء النية والطوية الأمريكية للإيقاع بها في شر أعمالها. وكان المراد بعد حرب الخليج الأولى أن يصحو العالم على نظام عالمي جديد لا تقوده أمريكا فحسب بل تستعبد فيه كل من وما هو غير أمريكي. لقد شغلت أمريكا جراء كبريائها وصلفها وظلمها، بنفسها فخاضت عدة مغامرات أستنفدت فيها رصيدها العسكري والإقتصادي كما فقدت جراءها هيبتها العسكرية وسيطرتها السياسية، حتى هرع مريدوها وأتباعها ومن يعيش في كنفها مضطرين لإعادة حساباتهم وياحثين عن ملجأ آمن بعد أن كشفت عنهم أمريكا ورقة التوت الأخيرة دونما إرادة منها.

لقد أصبح من غير المبالغ فيه اليوم أن يتحدث أن يتحدث المفكرون السياسيون والإقتصاديون عن مرحلة ما بعد  الهيمنة الأمريكية.  إن الإنشغال الأمريكي سوف يتبعه إنكفاءها داخليا، وهو ما يعني دفع الأمم دفعا إلى إيجاد حلول ونظام جديد رغبة أو إضطرارا.  إن المنافسين والمناوءين والمتمنعين سوف يجدون في ما يحدث فرصة سانحة للخروج من السيطرة والإزعاج الأمريكي لها أما التابعين فسوف يسعون للبحث عن ورقة توت أخرى والعقلاء منهم سوف يعون سريعا أن المعطيات تسمح لهم بالتأهيل ليكونوا مستقلين فاعلين وليس مفعول بهم في هذا النظام العاامي الجديد.  ولن نتحدث عن الشعوب في هذه المعادلة بإسهاب، ولكنها الرقيب الذي لن يسمح لحالة العوز والإعالة السابقة أن تستمر أو أن يمليها عليهم الحكام لمصالحهم الضيقة.

واليوم جراء ما سبق وجراء متغيرات علمية معترضة على المسار المرسوم أصبح بإمكان الأمم والشعوب الحصول على ما تريده لإجراء القفزة الضفضعية دون الحاجة إلى جهة تملى وتفرض شروطها.  لقد كان كل من يريد أن يحصل على تقنية الحاسب الآلي مضطرا للذهاب إلى أمريكا لذلك، واليوم أصبحت التقنية في متناول الجميسع وأصبحت مصادرها متعددة ومبذولة وكذا الأمر في الجالات العسكرية والطبية والنووية والعلمية الأخرى.  إن الله سبحانه وتعالى يهيئ الأوضاع لإنطلاق الأمة نحو المعالي.  وبالحساب الطبيعي كان من المستحيل أن تلحق الأمم النامية بركاب أمريكا في أقل من مئة عام.  كان ذلك هو حساب العارفين بموجب معطيات الثمانينيات، أما اليوم فالقوم يتحدثون عن سنوات قلائل للحاق بركب التقنية الأمريكية والغربية في كافة المجالات، وبأن إمتلاك القدرة النووية لا يعدو اليوم أكثر من قرار سياسي فقط.  إننا حقا على أعتاب نظام كوني جديد يتغيير فيه اللاعبون وشروط اللعبة ويبزغ فيه فجر الإسلام من جديد شرط أن نستقل سياسيا ونفسيا عن التبعية السياسية ونقلع عنها إلى الأبد.

والله ومن وراء القصد....،

نشرت بالعدد ( 16088) من جريدة المدينة، يوم الجمعة،24 ربيع الآخر 1428ﻫ  الموافق  11 مايو 2007م، بصفحة الرأي.

 

views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.