الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
قدسية القضاء ورسالة القاضي
٤، ابريل ، ٢٠٠٧
صناعـة الحيـاة

يعد القضاء أشرف تكليف إنساني والدعامة الأهم في أي مجتمع مدني.  وقد أولى الإسلام القضاء قدسية وأنزله منـزلةً لا تدانيها منـزلة إقراراًَ له بدوره المحوري في عمارة الأرض على الوجه الذي أراده الله من خلق الإنسان.  والحديث عن القضاء بات يشكل حساسية مفرطة في أي مجتمع من المجتمعات، ويتضاعف الأمر في المجتمعات العربية نظراً لكون القضاء الجهاز الأكثر قابلية للتفلت من ربقة وهيمنة الجهاز التنفيذي الذي يمثله الحاكم.  والعلاقة بين الحاكم والقضاء في عالمنا العربي أشبه ما تكون بعلاقة الحاجة والتقريب الممزوجة بالتخوف وعدم الثقة كمن أبتلي بزوجةٍ يخشى خيانتها له.  نجد الحاكم بالرغم من تخوفه من القضاء وإستمرار السيطرة عليه، يشيد بالقضاء وبإسقلاليته (المزعومة) ويحاول بين الفينة والأخرى ان يظهر إنصياعاً له للتدليل على إستقلاليته وحياده الكاملين. 

وتكمن الحقيقة في أن القضاء مكون من بشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم في إطارهم الإنساني.  وهذا الإنسان الذي تولّى منصب القضاء يأتي إليه محملاً بحصيلة من الثقافة الإجتماعية والإيدلوجيه والآراء المسبقة إضافة إلى طبائعه الشخصية وميوله الإنسانية في ما يبغض ويحب.  ولا يستطيع الإنسان أن يتدارك هذه المعطيات الشخصية إلى من خلال ثقافة قضائية حاكمة يسير فيها المنتسب إليها بموجبها متخلياً عن المؤثرات غير الموضوعية في تسيير شئون القضاء.  إلا أن الأنظمة الحاكمة تحاول جاهدةً أن تحافظ على المعطيات غير الموضوعية للجهاز القضائي ولشخص القاضي، مشكلةً منه كياناً منفصلاً عن مجتمعه روحاً وفكراً، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تنافر حقيقي يفقد فيها المجتمع ثقته بالقضاء، ويلجاء فيها القاضي إلى التحالف مع الحاكم للحفاظ على كينونته ومعطياته غير الموضوعية ومكتسباته المادية، وهو ماسمي (في المجتمعات الغربية) بالحلف الغير مقدس بين الكنيسة والملك قبل أن يلفظ المجتمع سطوة الكنيسة مفضلاً عليها العلمانية السافرة.  وهذه الحالة المذكورة تؤدي بالتبعية إلى الكثير من الفساد والإفساد وتفاقم المظالم وضياع العدالة واخيراً إنهيار مفهوم المجتمع المدني فتحكمه مفاهيم الصراع من أجل البقاء وهي المفاهيم الأقرب إلى شريعة الغاب.

ولسنا بصدد الخوض في أشكال وصور النتائج الوخيمة للحالة المذكورة أعلاه، ولعلنا إن اسردنا معطيات القضاء المستقل ندرك مكاننا بين الأمم المتحضرة من جهة والمسافة بين الواقع والمرجو من جهة أخرى.  ولا شك أن أعظم صفات القضاء المستقل هو تحرره من الأدلجة والمذهبية.  إن القاضي المستقل مهما كانت خلفيته الثقافية، فإن عليه أن يلتزم إلتزاماً مقدساً بالإطار الأشمل والأوسع لمنظومة القوانين التي يرتكز عليها وتشكل في إطارها العام ثقافة الأمة وآمالها وتطلعاتها.  ولأن القاضي إنسان في ذاته فعليه أن يكون دائم المساءلة عن أسباب ميله النفسي ومنطلقات هذا الميل في نظرته إذ أن قناعاته الشخصية لا تمثل بالضرورة نصوص النظام ولا روحه.  وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نذكر أن الكثير من الوقائع القضائية في عالمنا العربي والإسلامي، أظهرت حقيقة مؤلمة مفادها حمل القاضي الناس على أراء مذهبيه هي أقرب إلى العزيمة منها إلى الرخصة وهو ما يتنافى مع روح القضاء ويسلط الضوء على الإشكالية المذهبية والأيدلوجيه التي تعتري شخص القاضي. 

المعطى الثاني هو إستيعاب القاضي لمحيطه الإجتماعي الذي يحكم فيه ويصدر عليه الأحكام. فأهل القرية تختلف مفاهيمهم وأعرافهم عن أهل المدينة، وكذا مجتمع الرعي عن مجتمع الزراعة وكذا المجتمعات ذات الإتصال البشري المكثف مع الغير عن المجتمعات المنغلقة.  فالقاضي الذي يصر في أحكامه على تطبيق أعرافه وقناعاته يخطيء خطأً فادحاً في حق المجتمع وحق نفسه ويحدث ثلمةً في أرضية العدالة من حيث يظن أنه يحسن صنعا.  ولكن الأخطر والأسوأ هو أن يستجلب القاضي معه أفكار مسبقة عن مجتمع بعينه كأن يعتبر ان المجتمع الأكثر إنفتاحاً هو بالضرورة مجتمع أكثر فساداً، فتخرج أحكامه لتعكس رؤيته ويستخدم صلاحياته لفرض رؤية إصلاحية ضيقة وهذا لعمري أعظم خطراً من خطر الحاكم المستبد.  إن استبداد الحاكم يفترض أن يحده القضاء ولكن إستبداد القاضي وتقمصه لأدوار غير قضائية من حيث يدري ولا يدري فينصب نفسه حاكماًَ على المجتمع ومتكفلاً بإصلاحه،  هو في حد ذاته مدعاة لأعظم المفاسد حيث ينتقل القاضي من باحث عن العدالة الشخصية لمن يمثل أمامه إلى شخص يستخدم قوته وصلاحياته بل والمتقاضيين الذين يمثلون أمامه ليدفع بايدلوجيته وقناعته الشخصية إلى سطح المجتمع فيكون بذلك قد فقد بوصلته وأسلم نفسه لعنان الهوى الشخصي بل وتعدى إختصاصاته إلى إختصاصات أخرى لمؤسسات المجتمع المدني الأخرى دون رادع أو مقوَِم أو منهجية.

أما المعطى الثالث فهو التوجه القضائي لإحقاق العدالة في مفهومها الشخصي والإنساني البحت وبعبارة أخرى تحقيق العدالة للحالة الماثلة أمام القاضي بإعتبار كل حالة ذات وضع مستقل. وان تكون المنهجية الحاكمة ذات مرونة كافية للأخذ في الإعتبار قدرة القضاء والقوانين المصاحبة على التكيف مع الحالات القضائية المختلفة دون الخروج عن المنهج والإطار العام الذي تفرضه مقاصد الشريعة من جهة والعقد الإجتماعي من جهة اخرى.  والحقيقة ان تطور المجتمع وإختلاف مفاهيمه يستوجب معه تطور الأنظمة والقوانين ولا يكتمل ذلك إلا بوجود سلطة تشريعية تمثل المجتمع وتعكس مفاهيمه فتتطور الأنظمة والقوانين من خلالها وهو ما يخفف على القضاء إضطراره إلى الإجتهاد في تفسير النظام ليتلأم وتحقيق العدالة مع الحالة الماثلة أمامه. 

المعطى الرابع والأخير: هو الحاجة لأن يكون القضاء مستقلاً إستقلالاَ ينبع من ذاته لا إستقلالاً ممنوح له من السلطة التنفيذية.  فالمنحة أمرها بين يدي المانح أما الإستقلال الذاتي فمناط أمره بيد أصحابه، ويقتضي ذلك أن يسعى القضاء لإيجاد كيانات مستقلة تحمي كينونتهم وتمكنهم من الحد من طغيان السلطة التنفيذية وبذلك يكون القضاء في حقيقته قد أكمل أركانه الأربعة التي تؤهله ليكون عن جدارة صمام الأمان الأخير لأي مجتمع.  إن المدنية المادية في أعظم مراحلها لا تعدو كونها همجية مطلقة إن فقدت القضاء المستقل والنـزيه (كما كان الحال في الأمبراطورية الرومانية) كما أن التخلف المادي في مجتمع ما لن يمنع الإنسان من التطور والإنطلاق مادام قضائه مستقلاً ونزيهاً. 

واخيراً فإن كل ما تقدم يحتاج بالضرورة إلى تضافر إجتماعي وإعادة صياغة كاملة لثقافة ومفهوم القضاء تحميه في المقام الأول في إطار حمايتها للمجتمع وحرياته ومؤسساته المدنية.  وإبان القصف الجوي النازي العنيف لبريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية نظر رئيس الوزراء ونستون تشرشل فلم يجد إلا مدن مهدمة محطمة وبنية تحتيه منهارة.  وبعد تأمل فزع إلى أعوانه يسألهم عن القضاء ومرافق القضاء فلما أخبروه بانها لا تزال قائمة إطمأن إلى مستقبل بريطانيا على الرغم من محنتها فاطلق مقولته الشهيرة (نحن بخير مادام قضائنا بخير).

 

والله ومن وراء القصد....،

 

views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.